فخر الدين الرازي

22

تفسير الرازي

فإن قيل : فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت ؟ قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت . والثاني : أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث : أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها برق شديد محرق ، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما . ثم قال تعالى : * ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) * والجثوم هو السكون يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت ، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك ، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله : * ( كأن لم يغنوا فيها ) * أي كأنهم لم يوجدوا ، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال : غني الرجل بمكان كذا إذا أقام به . ثم قال تعالى : * ( ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود ) * قرأ حمزة وحفص عن عاصم * ( ألا إن ثمود ) * غير منون في كل القرآن ، وقرأ الباقون * ( ثموداً ) * بالتنوين ولثمود كلاهما بالصرف ، والصرف للذهاب إلى الحي ، أو إلى الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) * . اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال النحويون : دخلت كلمة " قد " ههنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع ، ودخلت اللام في " لقد " لتأكيد الخبر ولفظ * ( رسلنا ) * جمع